Menu
» «
الرأي

دروس قيادية من الشطرنج

دروس قيادية من الشطرنج

في رحلاتي الخارجية عادة ما تكون رقعة الشطرنج هي التذكار الذي اشتريه من مدن العالم المختلفة، فمهما اختلفت التصاميم أو المادة المستخدمة للتصنيع فتظل قطع الشطرنج ورقعهتا واحدة عادة. ويبدو أن حب الشطرنج انتقل إلى ابنتي الصغيرة آلاء التي صارت تتحداني يومياً في مباراة حامية الوطيس. واليوم يسعدني أن استعرض معكم عدداً من الدروس القيادية المستلهمة من الشطرنج كما يلي:

أولا: الفارق قد يصنعه أبسط الموظفين: في لعبة الشطرنج يعتبر الجندي هو أقل القطع قيمة، ومع ذلك فالدور الذي يلعبه الجندي كبير جداً ومهم في بسط النفوذ والسيطرة وعرقلة تحركات الخصم. وكلما كان اللاعب أكثر قدرة ومهارة في تحريك الجنود صارت فرص فوزه أكبر. وفوق ذلك، فالجندي هو القطعة الوحيدة التي يمكن أن تترقى وتتغير لتصبح في مرتبة أعلى بما فيها الوزير الذي يعتبر أقوى القطع. وهكذا في عالم القيادة، فالمنظمة الناجحة تهتم بجميع موظفيها وتستثمر فيهم وتوفر لهم الدعم والتمكين لأنهم قادرون على قيادة مستقبل المنظمة. وبالمقابل فالمنظمات التي لا تنظر إلا إلى الإدارات العليا وتوفر لهم المزايا المختلفة مقابل إهمال بقية الموظفين والإدارات لا يمكن أن تنجح أو تحقق إنجازات مميزة على المدى الطويل.

ثانيا: ابن فريقاً قوياً: يعتبر الوزير هو أهم قطعة في الشطرنج بعد الملك ولديه القدرة على التحرك في اتجاهات كثيرة متعددة بعكس بقية القطع. ومع ذلك فمهما بلغ الوزير من قوة فلا يستطيع حسم النزال وحيداً. وهكذا في عالم الإدارة، فلا بد من بناء فرق قوية وفعالة تعمل بانسجام وتناغم. لأن الاعتماد على شخص واحد أو اثنين بقدرات عالية يجعل المنظمة في وضع خطير في حال المغادرة لأي سبب كان. وكما في عالم الشطرنج، فحتى لو قتل الوزير يستطيع اللاعب البارع أن يكمل المباراة ويحقق الفوز، وكذلك في العالم الحقيقي، فالمنظمة القوية تبنى بشكل لا تتأثر معه برحيل شخص أو اثنين لأنها قائمة بعمل جماعي مؤسسي من أفراد يمتلكون قدرات عالية ولكن يعملون بروح الفريق.

ثالثا: لابد من الصبر على التضحيات: من النادر جداً أن يتم تحقيق الفوز في الشطرنج دون خسارة لعدد من القطع. وهذا في عالم الإدارة حيث النجاح يتطلب تضحيات وربما خسائر وهزائم تكون الطريق والسبب لتحقيق النجاحات والأرباح لاحقا. وهذا يعلم الإنسان الرؤية البعيدة المدى وعدم التركيز على الانتصارات السريعة فقط دون الاكتراث للعواقب والنتائج المترتب عليها. ونفس الشيء ينطبق على نظرة المدير للتجارب الفاشلة لموظفيه أو فريقه وكيفية الاستفادة منها والتعلم منها بشكل إيجابي.

رابعا: لا تنس الهدف الرئيس: لعبة الشطرنج تقوم على قدرتك على محاصرة ملك الخصم والإطاحة به. بكلمة أخرى، مهما استطعت أن تسقط من قطع خصمك وتبسط نفوذك فكل ذلك لا يعني شيئاً إذا استطاع خصمك أن يقتل الملك لديك. وفي عالم الإدارة، ينسى المسؤول أحياناً الهدف الرئيس للمنظمة سواء كان ذلك خدمة المواطنين أو الحفاظ على البيئة وتمكين الابتكار وغيرها، وعوضاً عن ذلك يركز على صغائر الأمور ومواضيع جانبية ليست ذات أهمية ويستهلك فيها موارد المنظمة كتلميع صورته الشخصية أو التدقيق على الحضور والغياب للموظفين أو تغيير أثاث المكتب وهلم جرا. لذلك من المهم دائماً أن يركز القائد على الهدف الرئيس للمنظمة وتكون تلك الرسالة واضحة لديه ولدى فريقه ويتم تركيز موارد المنظمة لتفعيل تلك الرسالة وتحقيق الرؤية.

خامسا: فكر بطريقة غير اعتيادية: يعتمد الفوز في الشطرنج على قدرتك في مفاجأة خصمك ومباغتته بحركات لا يتوقعها. وبطبيعة الحال، كلما كانت حركاتك معروفة ومكشوفة للخصم صار من السهل جداً الإطاحة بك. ونفس الأمر ينطبق في عالم الإدارة في القدرة على الابتكار والإبداع وتقديم المنتجات والخدمات الجديدة التي تجعل من المنظمة في موقع متقدم على بقية المنافسين. وفي نفس السياق، فكما أن مباغتة المنافسين والخصوم مهمة في الشطرنج، فمن الضروري امتلاك القدرة على قراءة المشهد وفهم الواقع والتنبؤ بتحركات المنافسين والخصوم.

وختاما، يقول المثل الإيطالي: "بعد انتهاء اللعبة، يدخل الملك والبيدق في نفس الصندوق"، تذكر دائماً أنه بعد انتهاء رحلة الحياة ستدخل أنت وجميع المديرين والموظفين والعمال إلى نفس القبر. لا تتكبر ولا تمش في الأرض مرحاً وتذكر أنه من تواضع لله رفعه!

إقرأ في المصدر