Menu
» «
الرأي

من يدفع تكاليف الحملة الإعلامية ؟!

لم تسلم المملكة منذ تأسيسها من سهام النقد اللاذع الموجه لها من قبل بعض الأطراف الدولية، أو من بعض الدوائر الإعلامية المسيسة، وقد اتسم هذا الهجوم بأنه ممنهج وليس عشوائياً، وهو يهدف دوماً للإساءة لمقومات الدولة لتحويل أي إنجاز وكأنه فشل ذريع، كما أن الهجوم اتخذ مراراً صورة الابتزاز للإذعان لمطالب الدول الاقتصادية الكبرى، فبعض الأطراف الدولية أدمنت سياسة الابتزاز لتحقيق أجندات خاصة، وهي تتفنن في الصيد في الماء العكر مستغلة أي حدث مهما كان تافهاً للنفخ في نيرانه، لكنها في نهاية المطاف سياسة مكشوفة تماماً؛ لأن ما يدور في رحى أوطانهم من فساد وفشل سياسي أشد وطأة من سهام نقدهم.

لا يخفى على أي متابع سبب الهجوم المستمر مؤخراً على المملكة، فالمملكة ومنذ سنوات قليلة للغاية تمكنت من أن تتحول فعلياً لقوة إقليمية فعالة ومؤثرة، وذلك بالتوازي مع تدشين نجاحاتها المتتالية على العديد من الأصعدة؛ سواء كانت سياسية أو اقتصادية، أو في مجال حقوق المرأة أو في قطاع السياحة أو القضاء أو التعليم أو الصحة، ومن المؤكد أن الخطوات الواسعة التي اجتازتها المملكة أرست مبادئ سياسية واقتصادية واجتماعية دكّت حصون الهيمنة الغربية، مما دفعهم للبحث عن أي ذرائع للنيل من حكومة المملكة وتشويه صورتها في المحافل الدولية.

ما يؤكد ذلك هو ما يتم بثه من حين لآخر من صور أو مقاطع فيديو عبر منصات التواصل الاجتماعي الشهيرة، غير أنه من اللافت للانتباه أن من يبث تلك المواد الإعلامية -في بعض الأحيان- هي قنوات معروفة لها تاريخها وسمعتها في الحقل الإعلامي، ولا تكتفي تلك القنوات الإعلامية ببث مقاطع الفيديو المشبوهة تلك مع ما تحتمله من فبركة وتزييف فحسب، بل تقوم بتوظيفه من خلال برامج مدفوعة الأجر تستقطب بعض المأجورين والفارين من أوطانهم لتحليل تلك المواد الإعلامية المشوهة وكأنها حقائق على الأرض، وهذا يدفعنا للسؤال الملح عمَّن يقوم بتمويل تكاليف تلك الحملات الإعلامية المريبة، ومن يقف خلفها، وإلامَ يسعى من تهييج الرأي العام -بلا مبرر أو حتى دليل دامغ- ضد المملكة.

من المؤكد أن بثَّ مقاطع مهيجة لمشاعر الرأي العام تعود على القنوات الإعلامية -على اختلافها- بعوائد تجارية مجزية، فكثرة المشاهدات تدفع المعلنين للدفع بإعلاناتهم التجارية للبث عبر تلك القنوات، ولعله من غير المتوقع أن تتسم تلك القنوات الإعلامية -على الرغم من شهرتها البالغة- بالشفافية أو النزاهة التي يتوقعها البعض، فالهدف الرئيسي للقائمين على إدارة تلك القنوات هو الربح المادي أولاً وأخيراً، بصرف النظر عن المحتوى الذي يتم بثه وبصرف النظر عن موثوقيته، وبغض النظر أيضاً عن كمية التلاعب التي قد يكون تم دمجها في تلك المقاطع المصورة.

إن نشر تلك المقاطع وملاحظة قدر التفاعلات عليها يثير الكثير من الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالمحتوى، مثل من قام بالتصوير؟ ولماذا؟ ولماذا تم بث تلك المقاطع تحديداً وفي هذا التوقيت المعين؟ وإلى أي مدى تعرض المقطع المصور للتعديل أو الحذف أو الإضافة، ولماذا تم بث الجزء المعين المستقطع من الفيديو والمجتزأ من أحداثه كلها؟ وهل بالإمكان فهم السياق العام لما تم نشره قبل الحكم عليه بالسلب أو الإيجاب؟ وهل تم سماع آراء جميع الأطراف المنخرطة في المقطع المصور؟ وهل من حق من قام بالتصوير نشر ما تم تصويره؟

كثير من الأسئلة تدور في ذهن أي متابع موضوعي محايد لما يتم نشره بصورة عامة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الذي يتسم غالبيته بالاجتزاء وتبني وجهة نظر أحادية البعد، لأن غالبيته يصب في توجه يهدف لزيادة نسب المشاهدات على حساب الموضوعية بل والمنطق أيضاً، ومن الملاحظ أن تلك القنوات تتمكن من خلال نشرها تلك المقاطع من جني أرباح مزدوجة، فمن يرسل لها تلك المقاطع المصورة يدفع لها مقابل بث الفيديوهات عبر قناتها خلال توقيت معين مصحوبة بتعليقات معينة غالبيتها مهيجة ومحرضة، وبعد بث المقاطع واجتذاب المشاهدين ترتفع أسهم القناة؛ باعتبارها من القنوات المطلوبة مما يدفع المعلنين لخطب ودها لعرض إعلاناتهم عبر قنواتها، وبالتالي تتمكن من مضاعفة أرباحها وزيادة عدد متابعيها على حساب المصداقية والشفافية.

مما لا يمكن أن تخطئه عين هو التزامن الذي يصاحب انتشار كل مقطع من تلك المقاطع مع ظهور مجموعة من المرتزقة ممن باعوا أوطانهم تحت ذريعة الإصلاح، ولعل هؤلاء المرتزقة لا يظهرون على نحو عشوائي أو مجاني، كما أن دعواتهم المغرضة لا تظهر من فراغ، فخلفهم تقف جهات دولية معادية تستخدمهم كالدمى والعرائس المتحركة التي يتم تحريكها من خلف الكواليس، فهي من تخطط لهم وتمولهم.

من الأهمية بمكان نشر الوعي والثقافة كأدوات للحماية من الاختراق الفكري الذي تسعى له بعض الجهات، فمن المهم أن يدرك كل مواطن أن الكثير من المقاطع التي يتم بثها أمر قضي بليل، ومن خلال التقنيات الحديثة للإنتاج الفني يتمكن أي شخص من فبركة أي مقطع مصور؛ لذا يجب عدم الاندفاع للحكم على صحة خبر دون التمعن في أسباب ودوافع بثه، ولا شك أن كل دولة ناجحة في إدارة ملفاتها عرضة للنقد اللاذع لعرقلة مسيرتها، كما أن الأوضاع الإقليمية والدولية على صفيح ساخن؛ لذا فإن الأمور لا تتحمل المزيد من التهييج والتحريض وإثارة الفتن.
إقرأ في المصدر