Menu
» «
الرأي

ذاكرتي العمرانية مع جريدة «الرياض»

ذاكرتي العمرانية مع جريدة «الرياض»

إن ممارسة الكتابة النقدية المعمارية الذي أسست له صفحة العمران والتنمية انتقل إلى «حروف وأفكار»، حيث أتاح المقال الأسبوعي استعراض مناهج التفكير والنقد المعماري إضافة إلى التقويم المباشر لكثير من القضايا في التعلم والعمران وغيرها..

عندما بدأت جريدة "الرياض" في إصدار صفحة خاصة حول العمران والتنمية في العام 1996م، كان عنواناً لافتاً، فهي الصفحة المتخصصة الوحيدة في العمران على مستوى صحف المملكة، وهي في الوقت نفسه تشكل منعطفاً مهماً في صناعة "الصحافة المعمارية" التي يبدو أنها لم تكن معروفة لدينا وربما لا تلقى بالاً من أحد، رغم أن الصحف الكبرى في أميركا وبريطانيا كانت تنشر صفحات متخصصة يديرها متخصصون في العمران، بل إنه يوجد لديهم ما يسمى "محلل العمران"، وهو كاتب متخصص يقوم بمهمة التعليق على القرارات والمشروعات الجديدة وينشرها بأسلوب صحفي سلس ومفهوم من قبل عامة الناس. من الجدير بالذكر أن "العمران والتنمية" جذبت المهتمين بالعمران للكتابة والمشاركة فيها، وعلى رأسهم الأمير سلطان بن سلمان والأمير الدكتور عبدالعزيز بن عياف والأستاذ الدكتور فيصل المبارك والدكتور عبدالعزيز الخضيري وغيرهم كثير. في تلك الفترة كنت أعد رسالة الدكتوراة في مدينة نيوكاسل الإنجليزية، وكنت أشارك في الصفحة بمقال شبه أسبوعي كنت أكتبه بخط يدي وأبعثه للجريدة عبر الفاكس، والأكيد أن العمران والتنمية كانت، في تلك الفترة، منتدىً فكرياً ونقدياً للعمرانيين قلّما يتكرر في أي صحيفة عربية أخرى.

ثمة اتفاق بين المتخصصين في العمران، أن مبادرة جريدة "الرياض" غير المسبوقة على المستوى العربي أحدثت نقلة في الوعي المجتمعي، وكانت بمثابة قناة الاتصال الأساسية، وربما الوحيدة، بين عامة الناس والمتخصصين وبين متخذي القرار. في تلك الفترة كان الأستاذ عبدالوهاب الفايز هو المسؤول عن الصفحة، بصفته رئيس القسم الاقتصادي في الجريدة، والأستاذ صالح الزيد أحد المحررين، وأنا على يقين أن هناك الكثير الذين عملوا على صناعة هذه المبادرة التي تحسب للجريدة وعلى رأسهم رئيس التحرير الأستاذ تركي السديري -رحمه الله-. هذا المقال لا يؤرخ ما أحدثته صفحة العمران والتنمية من تحول، لكنها محاولة للتوقف قليلاً عند نقاط مهمة في صناعة الوعي العمراني في المملكة، بمناسبة مرور ستة عقود على انطلاقة جريدة "الرياض". ما نراه اليوم من توسع كبير في الكتابة العمرانية بين الشباب السعودي المتخصص، يعود بعض الفضل فيه لسنوات العمران والتنمية في نهاية القرن الماضي، وهذا الحكم سأتركه للقراء الذي عايشوا تلك المرحلة، فهم أقدر مني على تقييم التأثير الفعلي للصفحة التي امتد إصدارها لعدة سنوات.

لم تكتفِ "الرياض" بإنشاء هذه الصفحة المتخصصة، فبعد إنهائي لرسالة الدكتوراة عام 1998م، تحدث معي الفايز وطلب أن أكتب بشكل منتظم في الصفحة، وفعلاً نشرت مقالاً أسبوعياً حتى عام 2001م عندما طلب مني الأستاذ سعد الحميدين أن أنشر كتاباً في سلسلة كتب الرياض الشهرية، وأنتقي مجموعة مقالات نشرتها في الصفحة لأضمّنها الكتاب، وفعلاً تم نشر الكتاب في شهر سبتمبر من العام نفسه، بعنوان "من المربع إلى العذيبات: رؤى وأفكار في العمارة السعودية المعاصرة"، ثم طلب مني الحميدين أن انتقل إلى صفحة "حروف وأفكار" في الفترة نفسها عام 2001م. في الواقع لم أكن أنوي أن أتخلى عن الكتابة المعمارية، فهي نوع نادر من الكتابة باللغة العربية وجريدة "الرياض" أتاحت الفرصة أن أتعامل مع المقال المعماري بأسلوب "الكتابة التلقائية" أو العفوية التي تسمح بتيار الشعور أن يعبر عن الواقع، وهذا النوع من الكتابة النقدية هو الأقرب لوعي المجتمع غير المتخصص، حيث تصبح الكتابة النقدية أقرب إلى الحكاية بكل ما تحتويه من اشتباكات مشاعر.

وخلال العقدين الأخيرين من الكتابة لصحيفة كبيرة ومؤثرة مثل جريدة "الرياض" كانت مهمة طرح الأفكار الجديدة أقل صعوبة في ظل الانتشار الكبير للصحيفة خصوصاً بين المهتمين ومتخذي القرار، كما أن ممارسة الكتابة النقدية المعمارية الذي أسست له صفحة العمران والتنمية انتقل إلى "حروف وأفكار"، حيث أتاح المقال الأسبوعي استعراض مناهج التفكير والنقد المعماري إضافة إلى التقويم المباشر لكثير من القضايا في التعلم والعمران وغيرها. ولأن "الرياض" لم تكن مجرد صحيفة بل جزءاً من مؤسسة ثقافية (اليمامة) كبرى، لذلك فقد أتيحت لي الفرصة مرة أخرى لنشر كتاب في سلسلة كتب الرياض عام 2005م بعنوان "العمارة والثقافة: دراسات نقدية في العمارة العربية".

يمكن أن يرى القارئ هذا المقال على أنه بعض لمحات الذاكرة حول الكتابة المعمارية في جريدة "الرياض"، وكيف عملت هذه الصحيفة على ترسيخ وعي نقدي عمراني، حتى بعد توقف صفحة العمران والتنمية، فهي ما زالت تعمل على ترسيخ هذا الوعي في عصر الإعلام الجديد ونشأة قنوات التواصل الاجتماعي. رغم مرور هذه السنوات وتصاعد التحولات المجتمعية، إلا أنني ما أزال أتلقى الكثير من التعليقات وأحياناً "النقد" على الأفكار الجريئة التي سمحت "الرياض" بنشرها. من الصعوبة بمكان سرد كل خبايا الذاكرة التي زادت على ربع قرن، فإحدى تلك الخبايا التأثير الذي تركته العمران والتنمية وكتابها على العمارة والعمران في مدينة الرياض على وجه الخصوص والمملكة بشكل عام، وهذا موضوع آخر يحتاج إلى بحث وتقصٍّ وليس مجرد مقال عابر.

إقرأ في المصدر

أخبار مختارة

الرأي
رؤية المملكة والاستثمار في الفرص والمقومات

تعد المملكة العربية السعودية الثانية عربياً والثالثة عشر عالمياً من حيث المساحة بإجمالي 1.2 مليون كم...