Menu
» «
الرأي

إذا أمك أروتك حليب.. اضرب

ثقافة جبلية جنوبية كنا نسمعها أثناء عراك الصغار، وبعد أن تبلغ بين الخصمين الحلقوم، وكل منهما يمسك بأعصابه، ويشد جيب ثوب الآخر من حول عنقه، ويصرخ في وجهه أمام الجميع، بتهديد معجون بالخوف، وينصحه بألا يكون البادئ بالتعدي وألا فهو الجاني على نفسه، ويهدده: إذا كانت أمك أروتك حليب، فاضرب.

وتلك إشارة تسبق لحظة الحسم، والإيغال في العنف، وطرح الخصم أرضا والانهيال عليه باللطم والركل واللكم، وبما هو أعظم.

window.googletag = window.googletag || {cmd: []};googletag.cmd.push(function(){ googletag.defineSlot('/222593609/makkahnewspaper_com_mpu_02', [300, 250], 'makkahnewspaper_com_mpu_02').addService(googletag.pubads()); googletag.enableServices(); googletag.display('makkahnewspaper_com_mpu_02'); });
ومثل تلك الصورة من التهديد والهياط نشاهدها اليوم على ساحات صراع الدول العظمى، والتي تمتلك الأسلحة النووية، فيهدد رؤساؤها خصومهم وينصحونهم بعدم التهور، وألا يكونوا البادئين، فيرفع أحدهم صوته بالوعيد، ويرد عليه الخصم بحزم: إن كانت أمك قد أروتك حليب، اضرب.

والحليب هنا مختصر لمعاني تصنيع وحيازة السلاح النووي، وبالتالي قدرته على التهور، وحرق دولة الآخر، ولا عجب فكل يمتلك الصواريخ النووية، وأَزْرَار إطلاقها موجودة قرب أطراف أصابعه، حتى ولو كان في غرفة نومه، وهو عند بلوغ العصبية حدها لن يتوانى عن تفجير الغل، دون تفكير أو حساب لما سيخلفه تهوره من أضرار كونية عالمية، قد لا يتخلص من بقاياها البشر، ولو بعد مئات السنين.

عجيب، كيف يُربط استخدام السلاح النووي عند بعض الدول بقرار شخص واحد، قد يكون عصبيا يستثار بسهولة، أو متهورا، أو مصاب بأعراض النرجسية أو الكآبة أو الهوس أو جنون العظمة، وربما أن لديه رغبات انتحارية ستحرق الأرض ومن عليها بلحظات، زيادة على استمرارية التلوث النووي، للبيئة والزراعة، والبحار وموارد شرب المياه، ويؤدي لإفناء الكائنات الحية، وبلوغ قلب الأرض، وعنق الغلاف الجوي، وتعظيم التصحر وثقوب الأوزون، وارتفاع درجات الحرارة، وتكوين الغيوم الذرية، بكل بلاويها، وسرطاناتها، ويحقق كارثة إفناء جنس الإنسان.

ما مدى اهتياج السخط والحقد والجنون المطلوبة لدى الحاكم ليفعلها في لحظة، ودون اكتراث بما يكون، فيفقد زمام عقله وإنسانيته، ويتحدى الوجود بهذه الأَزْرَار الكارثية بين أصابعه، معتقدا أنه طريقه للنصر المؤزر، وسلامته وذريته، دون بقية الشعوب والمخلوقات!

كارثة جلل، وأعداد المتهورين الانتحاريين القادرين على إطلاق السلاح النووي يتعاظم، وهم مجبولون على النقص، قابلون للاستثارة والتحدي، وبمجرد انفلات أعصاب أحدهم، سترد الجهات المقابلة بالمثل، في أعظم وآخر مناظر الفوضى العالمية على الكرة الأرضية.

تخيلوا يا زعماء دول النادي النووي، أن مصير البشرية محكوم بأَزْرَار غيظكم، وهي ليست أزرار لعبة إلكترونية، تغلقونها لو انهزمتم، أو تلعبون لعبة جديدة، أو في أقصى الأحول تكسرون الشاشة، وتحطمون يد الأزرار على الحائط.

فحبذا يا أفاضل، لو تتذكرون لحظتها أنكم مؤتمنون على شعوب الأرض، وعلى حياة كرتنا الخضراء، ومستقبل ذرياتنا، فليتكم لا تخرجون عن الطوق، وتكتبون النهايات التعيسة لكل نابض، ونابت، وكل دورة أرضية حول الشمس.

الأسلحة النووية كارثة البشرية الأعظم، التي يجب إبعادها عن اختلاج أمزجتكم وأعصابكم، وأصابعكم، وتـَـبّتْ يدا صانعها، ومحركها، وصائنها، ومطلقها، وكم نتأمل من عقلاء العالم أن يجتمعوا بوعي ومشاعر إنسانية، وأن يتفقوا على إبطال مفعول عشرات الآلاف مما هو موجود منها، والاحتكام للعقل، والرزانة، والتواضع، والصبر أثناء التعامل مع الخصوم، وخصوصا ممن ارتووا بالحليب النووي.

shaheralnahari@

إقرأ في المصدر

أخبار مختارة

مقالات
Untitled
لِمَ هذا التحوّل المؤسف؟! – عبدالعزيز بن سعود المتعب

وجدت نفسي أُردد «وبضدِّها تتميزُ الأشياء» حينما قارنت بين ما كانت عليه الساحة الشعبية من احترام ومح...