Menu
» «
الرأي

إفساد النظريات!

مارس الإنسان تشويها متعمدا لبعض الأفكار والنظريات والفلسفات التي ظهرت في التاريخ الحديث، وربما القديم، وكان جديرا به، لو كان الإنسان عادلا صادقا مع نفسه ألا يوظف هذه الأفكار لصالح طغيانه واعتداءاته، فيسخر كل ما حوله لنفسه بأنانية مفرطة، وإن كنا لا ننفك أن نصف الإنسان بأنه ظالم بالفطرة «والظلم من شيم النفوس فإن تجد... ذا عفة فلعلة لا يظلم!» إنما يكرس هذا المفهوم، وربما استغل هذا البيت المتنبي ليقول أيضا إن الأصل هو الظلم، فيبرر الظلم، لذلك هو يظلم كأصل من أصوله، بدلا من أن يكون هدف البيت وصف الإنسان ثم مقاومة هذه الشيمة التي ولدت مع الإنسان بزعم الشاعر!

وهذه بعض الأمثلة على إفساد الإنسان لهذه الأفكار، فبعد أن كانت مفيدة أو كانت من الممكن أن تكون مفيدة، أبى الإنسان إلا أن يجعلها أداة ثم يحولها من أداة فقط إلى ما هو أسوأ، إذ غيرها إلى أداة إفساد، فنظرية البقاء للأصلح التي تزعمها دارون في أصل الأنواع، صارت عنوانا للعنف، فظهرت نزعة القوة المفرطة بحجة أن البقاء للأقوى، برغم أن نظرية دارون الشهيرة لم تكن كذلك إطلاقا؛ إذ لم تكن مرتبطة بالإرادة الإنسانية أو الحيوانية بقدر ما هي مرتبطة بطبيعة جنس الأنواع الحية.

window.googletag = window.googletag || {cmd: []};googletag.cmd.push(function(){ googletag.defineSlot('/222593609/makkahnewspaper_com_mpu_02', [300, 250], 'makkahnewspaper_com_mpu_02').addService(googletag.pubads()); googletag.enableServices(); googletag.display('makkahnewspaper_com_mpu_02'); });
حتى نظرية البرجماتية في الأصل كانت تهدف لخدمة ما ينفع الإنسان، وأن الإنسان عليه أن يركز جهوده فيما ينفعه أما ما لا يرتد عليه بالنفع فهو عبارة عن جهد ضائع، ثم تجاسر الإنسان في المبالغة في النفعية حتى صارت علامة بارزة للأنانية الإنسانية، حتى أنه بالغ كثيرا فصار لا يرى إلا ما ينفعه شخصيا أو بني جلدته متجاهلا الإنسان (شقيقه في الإنسانية) في أي لحظة اختلف عنه أو اختلف معه في عرق أو أصل أو شعوبية أو حتى في منفعة! وفي النهاية أصبحت نفعي أو براجماتي سلبية في حق أي إنسان، برغم أن تركيزها كان ما يعود على الإنسانية بالنفع.

وظهر يوما ما السفسطائيون، ليقولوا للعالم بأن الحقيقة تكاد تكون نسبية، فلا حقيقة ببرهان إلا تدفعها حقيقة أخرى ببرهان آخر، حتى يخف الإنسان من غلوائه وجنونه في احتكار الحقيقة، وكأن لسان حالهم يقول (وربما قالوها فعلا) إن أثبتنا لك حقيقة ما بالأدلة، فإننا نستطيع أن نثبت لك عكسها وبالأدلة أيضا، حتى استغل الإنسان هذه الرؤية ليقدم لها مراوغة ماكرة في تثبيت الباطل باعتباره صورة أخرى للحق، حتى صارت كلمة سفسطائي وحوار سفسطائي وصفا سلبيا في حق أي إنسان استخدم اللغة أداة في هذا الأمر، ومثله العقل الذي يوما ما كان هو ميزان الرؤية للأشياء أصبح أداة (الأداتية) / (سوطا) لفرض حقيقة على أخرى، فصار العقل يبرر الإلحاد بدعوى عدم رؤية الإيمان رأي العين، على سبيل المثال!

ونظرية الإنسان الأعلى التي كررها الفيلسوف نيتشه، وتعظيم القوة على الضعف وبغض النظر عن ظروف وأسلوب نيتشه في عرض نظريته، إلا أنها كانت تنبؤ في سلوك الإنسان نحو ترقية جنسه البشري (بحسب نيتشه) وتفسيرا لتطور الكائن البشري برؤية طويلة المدى، لكن تم استغلال هذه الفكرة (كما يُزعم) من قبل جيش هتلر باعتبارها الباعث الروحي لهم للاستمرار في السيطرة والعنف والاعتقاد بالجنس الآري المميز؛ فهل تم توظيف هذه النظرية توظيفا سيئا، ولو كان صاحب النظرية موجودا فهل سيفسرها كما فسرها هتلر وجيشه؟

Halemalbaarrak@

إقرأ في المصدر